بقلم / عمرو عبدالوهاب
رئيس تحرير موقع "كندا أون نيوز"
______________________________
في دروب العمل السياسي العام، كثيراً ما تتكشف لنا حقيقة ساطعة لا تقبل الشك: الكيانات السياسية والحزبية لا تموت بقوة الخصوم أو قسوة الظروف الخارجية، بل تموت حين تأكلها أمراضها الداخلية.
تموت عندما يحل «التنظير» محل «العمل»، وتتحول مقرات الحزب من معامل للأفكار وميادين للإنجاز، إلى صالونات للفلسفة العقيمة، والقيل والقال، والصراعات الصغرى التي تغذيها الأطماع والأنانية الشخصية.
لقد شهدنا عبر التاريخ أحزاباً وكيانات طموحة، بدأت بفكرة جليلة ورغبة صادقة في التغيير، لكنها سرعان ما غرقت في شبر من الكلام. استنزفت طاقاتها في مجادلات لا تنتهي، وانشغل أبناؤها بالنقد الفلسفي المستمر لكل حركة وسكنة، دون أن يقدموا بديلاً واحداً، أو يبادروا بجهد عملي يُذكر.
والنتيجة الحتمية لهذه الحالة هي الانعزال عن الشارع، وفقدان ثقة الناس، ثم الخروج الإجباري من التاريخ.
إن السياسة الحقيقية ليست ممارسة لـ «السفسطة»، بل هي القدرة على تحويل المبادئ إلى حلول ملموسة تمس حياة المواطن اليومية.
انما النقد الأجوف، والتنظير المهووس بالكمال، والوقوف في مقاعد المشاهدين لتصيد الأخطاء، أمور لا تتطلب سوى حنجرة وقليل من وقت الفراغ. أما بناء الواقع وإصلاحه، فيتطلب الاجتهاد، والابتكار، والتفرغ الكامل للعمل الميداني والتشريعي والمجتمعي.
إننا في الاحزاب المصرية ندرك تماماً أن معركتنا الحقيقية هي معركة «إنجاز وابتكار». حين يرى الشارع أننا نطرح قوانين نوعية تتصدى لمشكلاته — وحين يلمس وجودنا الميداني ومبادراتنا المتجددة، فإنه يدرك الفرق بين من يمارس الجدل ومن يمارس المسؤولية والعمل الميداني ويبذل مجهود ووقت حقيقي.
إن الأنانية والتطلع للمكاسب الضيقة على حساب المصلحة العامة، والاستغراق في المهاترات، هما الوصفة المثالية لتدمير أي كيان. لذا، يجب أن تكون رسالتنا اليوم واضحة لجميع كوادرنا وأعضائنا: دعونا نترك القيل والقال لمن لا يملك إلا الكلام، ولنحتكر نحن العمل والإبداع.
لن يذكر التاريخ كم خطبة ألقينا أو كم أطروحة فلسفية جادلنا فيها، بل سيذكر كم أثراً إيجابياً تركناه، وكم حياة غيرناها للأفضل.
الابتكار هو درع الحزب، والعمل الصادق هو وقوده، أما التنظير المجرد فهو الطريق الأقصر نحو العدم.
لنعمل، ولنجتهد، ولنبتكر... فمصرنا وأحزابها يستحقان منا كل جهد، لا مجرد كلمات.




