الاثنين 19 أكتوبر 2026
وينيباغ 17°
facebook
كندا أون نيوز
رئيس مجلس الإدارة أسامة شمس رئيس التحرير عمرو عبدالوهاب
أقلام عربية بكندا

الوطن حيث تُصان كرامة الإنسان

الوطن حيث تُصان كرامة الإنسان

بقلم : أسامه دلول

_______________________________

هاجر رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة، لا كرهاً لمكة ولا تنكّراً لأرضه وجذوره، فقد كانت أحبَّ البلاد إلى قلبه، وإنما غادرها بعدما استحكم الظلم، واشتد الأذى، وضُيّق على المؤمنين في حياتهم وعبادتهم.

وقبل ذلك، أمر أصحابه بالهجرة إلى الحبشة، لا لأن أهلها كانوا على دينهم، وإنما لأن فيها ملكاً عادلاً لا يُظلَم عنده أحد. فاختلاف الدين لم يمنع أن تكون الحبشة أرضاً للأمن، كما أن صلة الدم والأرض لم تمنع أن تصبح مكة ـ في ذلك الوقت ـ مكاناً للاضطهاد.

وهنا تتجلى حقيقة عميقة: لا تُقاس الأوطان بمساحتها، ولا تُعرَف بكثرة الشعارات المرفوعة باسمها، ولا يكتمل معناها بمجرد الجذور والعرق والدين. الوطن الحقيقي هو المكان الذي تُصان فيه كرامة الإنسان، وتُحفَظ حقوقه، ويأمن فيه على نفسه وأهله، وينال نصيبه العادل من الفرص والثروات.

الوطن ليس تراباً فحسب؛ فالتراب موجود في كل مكان. الوطن عدلٌ يطمئن إليه الإنسان، وقانونٌ يحمي الضعيف قبل القوي، ومساواةٌ لا تميّز بين الناس بسبب أصولهم أو أسمائهم أو انتماءاتهم. وحين يغيب ذلك كله، تصبح أرض الأجداد ـ على قربها ـ غربة، ويصبح البعيد الذي يحفظ كرامتك أقرب إليك منها.

وكم من شهيدٍ أردفه شهيد، ثم شهيد، حتى امتدت قوافل الشهداء؛ قدّموا أرواحهم معتقدين أن تضحياتهم زكيّة خالصة في سبيل وطنٍ حرّ كريم، ثم انتهى الوطن في يد «لُكَع بن لُكَع»، يتصرّف فيه كأنه ملكه الخاص، ويستأثر بخيراته، ويضيّق على أبنائه، ثم يطالبهم بالمزيد من الصبر والتضحية!

وكم من حاكمٍ وقف فوق أنقاض بلاده مدّعياً الانتصار، بينما كان شعبه يقتات من حاويات القمامة؛ فسمّى جوعهم صموداً، وفقرهم تضحية، وحرمانهم ثمناً للوطن. فأيُّ انتصارٍ هذا الذي ينتصر فيه الحاكم، ويُهزم المواطن كل يوم؟ وأيُّ وطنٍ هذا الذي تُصان فيه كراسي الحكّام، بينما تُهدَر فيه كرامة الناس؟

العبرة ليست بمن يرفع شعار الوطن، بل بمن يصون كرامة المواطن. وليست في أسماء الحاكمين ولا في خطبهم، بل في عدالة الحكم ونزاهة مؤسساته. وليست في عدد الشهداء، بل في الثمرة التي أثمرتها تضحياتهم: هل أصبح الإنسان أكثر حرية وكرامة، أم تحوّلت دماؤهم إلى سلّمٍ يصعد عليه مستبدّ جديد؟

فإذا غاب العدل، واستُبيحت الحقوق، واحتكر القليلون الثروة والفرص، لم يعد الوطن حضناً يحتضن أبناءه، بل أصبح شعاراً تستغله السلطة لتبرير الفقر والقمع والحرمان.

إن غربة الجسد في بلاد العدل أهون ألف مرة من غربة الروح في وطنٍ يحكمه الجور؛ فالغربة الحقيقية ليست أن تبتعد عن الأرض التي وُلدت عليها، وإنما أن تفقد كرامتك وأنت تعيش فوق ترابها.

ويُروي الشاعر خليل مطران في هذا المعنى:

بلادي حيث يُكفل لي حقوقي

                            وأمني في حماها والأمانا

وإلّا فالفضاء الرحب كوني

                        وكلُّ الأرض تلقاني مكانا

فالأوطان لا تُبنى بالدماء وحدها، ولا تُحمى بالخطب والأناشيد، وإنما تُبنى بالعدل، وتُصان بالمساواة، وتستمر بالكرامة.

الوطن ليس حيث تمتد جذورك فحسب؛ الوطن حيث تُحفَظ حقوقك، وتُصان كرامتك، وتشعر أنك إنسانٌ كامل المواطنة، لا وقوداً لمجد حاكم، ولا رقماً جديداً في سجل التضحيات.

119 مشاهدة
مشاركة: