بقلم د/ محمد عبدالرازق إمام
___________________________________
في عالم يموج بالتغيرات المتسارعة، نقف أحياناً لنشاهد مشهداً غريباً عجيباً.. مشهداً ينفطر له القلب وتتداعى أمامه العقول!
إن الغلاء الاقتصادي الذي يمر به العالم اليوم ليس مجرد أرقام واقتصاد ورسوم بيانية في النشرات؛ بل هو زلزال يضرب أعمق نقطة في المجتمع: الأخلاق والقيم. حين ينشغل الإنسان بتأمين لقيمات يومه، ويتحول البحث عن «قميص» أو «حبة دواء» إلى معركة بقاء، تبدأ طبقات المجتمع في التباعد.. لا جغرافياً، بل إنسانياً وفكرياً.
تحول السلوك البشري تحت وطأة هذا الضغط إلى حالة من التفاوت الصارخ بين «الإدقاع والفقر المتقع» وبين «السفه والبهرجة التي لا معنى لها».
أمثلة من واقع هذا التفاوت الصارخ:
وجبة الإفطار مقابل رزق أسر: تجد من ينشر مقطعاً مصوراً لوجبة إفطار في مقهى شهير يعادل سعرها دخل عائلة كاملة لمدة شهور، فقط ليقتنص «إعجاباً» على وسائل التواصل، بينما على بُعد أمتار قليلة يقطع أبُ آلاف الخُطى ليوفر ثمناً لخبز يومه.
الدواء والمستشفيات: مريضٌ يطوف الصيدليات بحثاً عن شريط دواء بسيط زهيد الثمن لا يجده أو لا يملك ثمنه، وفي ذات اللحظة، تُفتح أبواب مستشفيات واستشارات فارهة يُدفع في كشفها السريع ما يكفي لعلاج هذا المريض لسنوات طويلة!
التعليم والتأهيل: طفلٌ يُحرم من أبسط أدوات الدراسة المدرسية لأن والده يتعثر في شراء حقيبة أو دفتر، بينما تُقام حفلات تخرج في برامج تعليمية خيالية تُنفق فيها أموالٌ طائلة على المظاهر والديكورات السطحية.
الترفيه والسكن: مجتمعات مغلقة تعيش في رفاهية مطلقة ومظاهر تبذير لا طائل منها، تُهدر فيها المياه والطعام في الحفلات، مقابل أحياء كاملة تعاني لتوفير قطرة ماء صالحة للشرب أو سقف يقيها حر الصيف وبرد الشتاء.
ما الذي يحدث في النفوس؟
حين يرى الإنسان الفراغ الطبقي يتسع بهذه الصورة - ليس فقط تفاوت في الدخل، بل سفه في الإنفاق مقابل مسغبة في الحاجات الأساسية - يحدث الآتي:
التفكك الأخلاقي والغش: يتوارى الضمير تحت ذريعة «الغاية تبرر الوسيلة». يبدأ التاجر بالغش، والمنفذ بالإهمال، والشباب بالبحث عن الطرق السريعة حتى ولو كانت غير مشروعة، لأن المعيار في نظره أصبح «المال» بأي شكل.
الحقد الطبقي والشحناء: يتحول الشعور بالاحتياج إلى مرارة، والمرارة إلى حقد تجاه المجتمع. لم يعد الفقير يرى الغني أخاً له في الوطن، بل يراه كائناً يعيش في عالم آخر لا يشعر بآلامه ولا يرحم ضعفه.
استعراض السفه: المصيبة الكبرى ليست في وجود الأغنياء والفقراء (فهذه طبيعة الحياة والتفاوت سنة)، بل في الاستعراض بالسفه. صرنا نرى من يتفاخر باستعراض رفاهيته بأسلوب استفزازي يحطم قلوب المحتاجين.
إن العلاج لا يبدأ فقط بقوانين الاقتصاد، بل يبدأ من القلب والروح. لن يصلح هذا الحال إلا إذا أدركنا أن المال استخلاف وليس تشريفاً، وأن الرحمة بالضعفاء والمساكين ليست منّة أو تفضلاً، بل هي صمام الأمان الذي يحمي المجتمع كله من الانهيار الأخلاقي والاجتماعي.
أكتب لكم هذه السطور وأنا أجلس على مقهى شعبي بسيط، أرقب المارة وأحتسي فنجاناً من القهوة.. ولكن من الوهلة الأولى، ومع أول رشفة، أدركتُ بيقين أن طعمها لم يكن قهوة قط؛ بل كان مسحوقاً مخشوشاً من حبوب البسلة المحروقة! ابتسمت في مرارة؛ فهكذا أصبح الحال.. حتى الفنجان الذي يهرب إليه البسيط ليشتري به لحظة سكون، طاله الذباب والتدليس. وحين يُباع الوفاء والأمانة في فنجان قهوة، فلا تعجب إذا اختلت الموازين واستشرى الجشع في كل شيء.




