الاثنين 19 أكتوبر 2026
وينيباغ 17°
facebook
كندا أون نيوز
رئيس مجلس الإدارة أسامة شمس رئيس التحرير عمرو عبدالوهاب
أقلام عربية بكندا

خريفي الأول

خريفي الأول

بقلم محمد زكرياء داحي

______________________________________

وصلتُ إلى وينيبيغ في الخامسة صباحًا.

لم أرَ الخريف يومها. كانت هناك حقائب، وتعب سفر، وحساب بنكي يجب فتحه، وإيجار يجب دفعه؛ أشياء كثيرة لا تترك للقادم الجديد وقتًا لينظر حوله.

في المساء فقط، خرجت.

كنت برفقة أحد أقاربي، الذي نزلت عنده في ليلتي الأولى، نتجول في المنطقة التي يسكن فيها، قرب آبل فورد غيت في بريدج ووتر تريلز. وهناك بدأ المكان يكشف لي شيئًا من ملامحه.

كانت المياه تتخلل الحي بين البيوت، والأشجار تحيط بها متوهجة بألوان الخريف: النحاسي، والذهبي، والبرتقالي الذي يبدو كأنه يشتعل قبل أن ينطفئ. كان المشهد هادئًا وجديدًا عليّ؛ بيوت، وممرات، وماء، وأشجار تعيش احتفالها الأخير قبل الشتاء. هناك، بعيدًا عن الحقائب والحساب البنكي والإيجار، بدأت أرى كندا للمرة الأولى.

ثم جاء انتقالي إلى مسكني في سانت بونيفاس.

وفي الطريق، كان النهر الأحمر واحدًا من تلك المشاهد التي بدأت ترسم في ذاكرتي صورة المدينة الجديدة. لم أكن أعرف طرق وينيبيغ بعد، ولا أسماء الأماكن التي أمر بها، لكنني كنت أنظر من النافذة وأحاول أن أحفظ شيئًا من كل ما أراه.

وفي سانت بونيفاس، بدأت نزهاتي في بارك بروفانشي، وهناك اكتشفت الخريف أكثر.

كانت الأشجار تتباهى بأوراقها قبل أن تسقط. أصفر، وبني، وبرتقالي... ألوان دافئة في هواء بدأ يبرد. أوراق فوق الأغصان، وأخرى تحت قدمي، كأن الأرض أخذت نصيبها من ثراء الشجر.

وكانت تلك المشاهد ترافق نزهاتي: الإوز يعبر في هدوء وثقة، والسناجب تسرع من مكان إلى آخر، والأرانب تظهر قريبة من المارة، مطمئنة إلى وجودهم، بينما كنت أنا الغريب بينها، أتوقف وأراقب وأكتشف.

لا أعرف كم مرة مشيت في تلك الحديقة.

لكنني أتذكر شعوري.

كنت أرى كل شيء للمرة الأولى.

وربما لهذا كان كل شيء أجمل.

مر عام، ثم عام آخر.

وها أنا اليوم في خريفي الثالث في كندا.

عادت الألوان نفسها، وبدأت الأوراق تتساقط من جديد. لكنني لم أعد أتوقف عند كل شجرة كما كنت أفعل، ولا ألاحق بعيني كل سنجاب يعبر أمامي. صارت طرق كثيرة أعرفها، وأماكن كانت غريبة تحمل الآن أسماء وذكريات، وصارت المدينة أقل حاجة إلى أن تعرّفني بنفسها.

ومع ذلك، يكفي أحيانًا أن أرى ورقة صفراء على الرصيف، أو شجرة اشتعلت بالبرتقالي، حتى يعود شيء من ذلك الخريف الأول.

خريف 2024.

آبل فورد غيت.

النهر الأحمر.

بارك بروفانشي.

وذلك القادم الجديد الذي كان ينظر إلى كل شيء كأنه يراه للمرة الأولى.

أقف اليوم أمام الألوان نفسها، لكن بعين أخرى.

بين الخريفين عامان فقط، ومع ذلك تبدو المسافة أبعد من ذلك أحيانًا.

لكن الخريف الأول بقي في مكانه.

ربما لأن بعض الصور لا تبقى لجمالها وحده، بل لما كنا نشعر به حين رأيناها؛ كانت تلك الأشجار أول ألوان كندا في ذاكرتي، وكان النهر من أول مشاهدها.

لكل فصل ألوانه، لكن بعض الفصول تحتفظ بشيء منا.

وخريفي الأول هنا، كلما ظننت أنه مضى، أعادته إليّ ورقة تتساقط.

محمد زكرياء داحي

254 مشاهدة
مشاركة: