بقلم: محمد زكريا داحي
_______________________________________________________
هناك أسئلة نكررها كثيرًا حتى تتحول إلى مسلمات، لا لأنها صحيحة بالضرورة، بل لأننا اعتدناها. ومع مرور الوقت، نتوقف عن مساءلتها، وننشغل فقط بالبحث عن إجابات أفضل لها.
ولعل أكثر سؤال يتكرر في الحديث عن الهجرة هو: كيف يندمج المهاجر؟
يبدو سؤالًا منطقيًا، لكنه يحمل في داخله افتراضًا لا ننتبه إليه غالبًا؛ فهو يفترض أن الاندماج مسؤولية المهاجر وحده، وأن المجتمع الذي يصل إليه كيان مكتمل وثابت، وما على القادم الجديد إلا أن يتعلم كيف يصبح جزءًا منه.
لكن ماذا لو كان هذا هو السؤال الخطأ؟
المجتمعات لا تُبنى بهذه الطريقة. فهي ليست جدرانًا ثابتة يدخل إليها الناس، بل كائنات حية تتشكل باستمرار. تنمو بأفكار جديدة، وتتغير بأجيال جديدة، وتزداد ثراءً بكل إنسان يضيف إليها شيئًا من تجربته.
ولعل كندا خير مثال على ذلك. فهي لم تنجح لأنها استقبلت المهاجرين فحسب، بل لأنها قامت على فكرة أن التنوع يمكن أن يكون مصدر قوة، وأن اختلاف التجارب لا يهدد المجتمع، بل يوسع آفاقه.
إذا كان الأمر كذلك، فلماذا نستمر في الحديث عن الاندماج وكأنه طريق يسلكه المهاجر وحده؟
ربما لأننا اختزلنا مفهومًا واسعًا في معنى ضيق. أصبحنا ننظر إلى الاندماج باعتباره قدرة المهاجر على التأقلم، بينما هو في حقيقته علاقة متبادلة؛ يتعلم فيها المهاجر كيف يعيش في وطن جديد، ويتعلم فيها المجتمع كيف يستفيد ممن اختار أن يكون جزءًا منه.
ومن هنا بدأ الخلط بين الاندماج والذوبان .
فالاندماج لا يعني أن يتخلى الإنسان عن لغته، أو ذاكرته، أو ثقافته حتى يصبح مقبولًا. كما أن الحفاظ على الهوية لا يعني الانغلاق أو رفض المجتمع الجديد.
الاندماج الحقيقي ليس أن نتشابه...
بل أن نتشارك.
أن يحمل كل واحد منا ما كوّنه عبر سنوات حياته، ثم يضعه في خدمة مجتمع يجمع الجميع، لا أن يطلب منه أن يتخلى عنه عند أول خطوة.
فالهوية ليست عبئًا على الاندماج، بل قد تكون أحد أهم روافده، عندما تتحول من حدود تفصل الناس إلى جسور تربط بينهم.
لكن إذا أردنا أن نفهم الاندماج فهمًا أعمق، فعلينا أن نغادر النقاش الثقافي قليلًا، وننظر إلى الواقع.
كل عام، يصل إلى كندا أطباء، ومهندسون، وصيادلة، وأساتذة، وحرفيون، وغيرهم ممن أمضوا سنوات طويلة في الدراسة والعمل واكتساب الخبرة. ثم يكتشف كثير منهم أن الطريق إلى ممارسة تخصصاتهم يبدأ من جديد، وكأن ما راكموه من معرفة وخبرة أصبح خارج الحساب.
لا يتعلق الأمر برفض المعايير المهنية، فهي ضرورة لحماية جودة الخدمات وثقة المجتمع. لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح هو:
كيف يمكن لمجتمع يحتاج إلى الكفاءات أن يجعل الوصول إليها بهذه الصعوبة؟
فحين يُطلب من أصحاب الخبرات أن يبدأوا من الصفر، لا يخسرون وحدهم.
ويخسر المجتمع أيضًا.
لأنه يؤجل الاستفادة من طاقات جاء بها بنفسه، ويترك سنوات من المعرفة معلقة بين الماضي والمستقبل.
ولعل أصعب ما يواجهه المهاجر ليس تعلم لغة جديدة، ولا التكيف مع عادات مختلفة، بل الشعور بأن ما أنجزه طوال حياته لم يعد كافيًا ليُنظر إليه بوصفه قيمة مضافة.
فالإنسان يستطيع أن يتعلم من جديد.
لكن من الصعب أن يعتاد الشعور بأن تاريخه المهني لم يعد يُرى.
وهنا يصبح السؤال مختلفًا.
لعل أكبر تحديات الاندماج ليست اللغة، ولا الثقافة، ولا حتى اختلاف العادات.
بل الاعتراف.
الاعتراف بأن القادم الجديد لا يحمل احتياجات فقط، بل يحمل أيضًا خبرة، ومعرفة، وقدرة على الإضافة.
ومن هنا، يصبح الاندماج مسؤولية مشتركة.
المهاجر مسؤول عن التعلم، واحترام القوانين، والمشاركة في الحياة العامة.
والمجتمع مسؤول عن أن يفتح أبوابه للكفاءة كما يفتحها للهجرة، وأن يبني مسارات حقيقية تسمح للإنسان بأن يضيف، لا أن يبدأ حياته من جديد.
وربما عندها فقط، سيتغير السؤال.
فبدل أن نسأل:
كيف يندمج المهاجر؟
قد يكون السؤال الأجدر هو:
كيف نبني مجتمعًا يجعل كل من ينتمي إليه قادرًا على أن يضيف، دون أن يُطلب منه أولًا أن يتخلى عن جزء من نفسه؟
فالاندماج الحقيقي لا يحدث عندما يختفي الاختلاف، بل عندما يتحول الاختلاف إلى قيمة مشتركة، وتصبح الخبرات القادمة من أماكن مختلفة جزءًا من مستقبل واحد.
ولذلك، ربما لا يكون السؤال الصحيح هو:
كيف يندمج المهاجر؟
بل...
من يندمج في من؟




