بقلم : رئيس التحرير
خلف كل نافذة تطل على شوارع كندا الهادئة، وفي غمرة السعي وراء "الحلم الكندي"، تدور معركة صامتة كل يوم لا تهدأ نيرانها في صدورنا.
هي ليست معركة من أجل لقمة العيش أو إثبات الذات، بل هي معركة الوجود بين قطبين: عقل يخطط لمستقبل الأبناء، وقلب يشد الرحال كل ليلة إلى أزقة مصر، إلى "قعدة" القهوة، وضحكات الأهل التي لا يعوضها ضجيج العالم أجمع.
نعم في كندا، وجدنا النظام، والأمان، والفرص التي نبني بها جسوراً متينة تعبر عليها الأجيال القادمة نحو غدٍ أفضل. هنا نزرع بذورنا في تربة غريبة، لعلّ الثمار تكون أكثر استقراراً لأبنائنا.
لكننا، وفي غمرة هذا الانشغال، نصطدم دائماً بسؤال "الهوية والحنين": هل يكفي الأمان المادي لترميم فجوة الروح التي خلفها فراق الأحباب؟
صراع العقل والقلب هو التحدي الأكبر لكل مهاجر مصري وعربي. العقل يهمس لنا ببراعة وثقة: "ابقَ هنا، من أجل تعليمهم، من أجل صحتهم، من أجل غدٍ لا يشبه قلق الأمس".
بينما يصرخ القلب مع كل اتصال هاتفي يأتي من "هناك": متى العودة؟ ؛ شوقاً لأبٍ كبرت تجاعيد وجهه بعيداً عن أعيننا، ولأمٍّ ما زالت رائحة دعائها تفوح في ذاكرتنا، ولأصدقاء العمر الذين شابت ملامحهم ولم نشهد معهم تلك اللحظات.
إن البقاء في كندا ليس مجرد خيار سكني، بل هو تضحية كبرى يقدمها جيلنا "جيل الوسط".
نحن الجسر الذي يتحمل ثقل الغربة ليعبر الصغار نحو آفاق أرحب. لكننا في "كندا أون نيوز"، نؤمن أن الانتماء لا يحده جغرافيا. فمصر ليست مجرد وطن غادرناه، بل هي وطن نحمله في داخلنا، في لغتنا، في قيمنا التي نغرسها في أبنائنا هنا، لكي لا ينقطع الوصل.
إننا نعيش حالة من "الوقوف على الحافة"، ممتنون لما قدمته لنا كندا، ومنكسرون شوقاً لما تركناه في مصر. وبين هذا وذاك، تظل الحقيقة الوحيدة أننا سفراء لقلوبنا؛ نبني في المهجر بعقولنا، ونبقي أرواحنا معلقة بخيوط الحنين، عسى أن نجد يوماً المعادلة التي تجمع بين طموح المستقبل ودفء الوطن.
يا أحبابنا في مصر.. مسافات الأميال لم تزدنا إلا قرباً، وغربة الأجساد ما كانت يوماً غربة للأرواح. نحن هنا لننجح، ولنعود يوماً – بكياننا أو بأبنائنا – وقد حملنا في حقائبنا علماً وخبرة تليق بوطن لم يغادرنا لحظة.
عمرو عبدالوهاب
أقلام عربية بكندا
عمرو عبدالوهاب
حكاية العقل والقلب في أرض المهجر
112 مشاهدة




