بقلم : مها يوسف
كاتبة وصحفية فلسطينية
______________________________________________________
عندما تصبح العودة إلى الوطن حلمًا... بعد أن ظننت أن الغربة هي الحل
لم أغادر وطني لأنني كرهته، ولم أترك بيتي لأنني أردت حياةً مترفة. خرجت كما خرج آلاف غيري، أحمل أملاً بأن أجد حياة أكثر استقرارًا، وأن أهرب من ضيق الواقع إلى سعة المستقبل.
لكن الغربة علّمتني درسًا لم أكن أتوقعه...
اكتشفت أن البيت ليس مجرد جدران، بل هو الأمان. وأن الأهل ليسوا مجرد أشخاص، بل هم السند الحقيقي. وأن الجار ليس مجرد ساكن بجوارك، بل هو جزء من تفاصيل الحياة، يطرق بابك، يشاركك أفراحك وأحزانك، ويشعرك بأنك لست وحدك.
في الغربة، مرّت الأيام ثقيلة. لا باب يُطرق، ولا جار أسأله أو أسلّم عليه، ولا مناسبة أجتمع فيها مع من أحب. تمر الأعياد بلا رائحة العيد، والأفراح بلا فرحة، والأحزان بلا من يواسيك.
أصبحت أشتاق لأشياء كنت أظنها عادية... جلسة مع الأهل، فنجان قهوة مع جار، عزومة عائلية، أو حتى سلام عابر في الشارع. تلك التفاصيل الصغيرة هي التي كانت تصنع الحياة، ولم أدرك قيمتها إلا عندما فقدتها.
ومع كل يوم يمر، أجد نفسي أفكر أكثر بالعودة إلى الوطن. ليس لأن الغربة لم تمنحني شيئًا، بل لأنها أخذت مني أشياء لا تُشترى بالمال: الدفء، والانتماء، والطمأنينة.
قد تمنحك الغربة فرصة عمل، أو دخلًا أفضل، لكنها لا تستطيع أن تمنحك حضن أم، ولا دعوة أب، ولا لمّة عائلة، ولا دفء وطن.
ليس كل مغترب نادم، وليس كل من بقي في وطنه مرتاحًا. فلكل إنسان ظروفه وقصته. لكنني تعلّمت أن الإنسان قد يعتاد على المكان، لكنه لا يستطيع بسهولة أن يستبدل وطنه، ولا أهله، ولا ذكرياته.
ويبقى السؤال الذي يرافقني كل ليلة...
هل تستحق الغربة كل هذا الثمن؟ أم أن الوطن، بكل ما فيه من صعوبات، يبقى المكان الوحيد الذي نشعر فيه أننا ننتمي حقًا؟




