بقلم : مها يوسف
كاتبة وصحفية فلسطينية
---------------------------------------------------------------------------
لا يمكن اختصار رحلة الهجرة أو اللجوء في تذكرة سفر أو ختم على جواز سفر.
إنها رحلة تبدأ قبل مغادرة الوطن بوقت طويل، حين يجد الإنسان نفسه أمام ظروف تدفعه للبحث عن الأمان والاستقرار ومستقبل أفضل لأسرته.
عندما غادرت بلدي الأم، لم أكن أحمل حقيبة ملابس فقط، بل حملت سنوات من الذكريات والتجارب والعلاقات التي صنعت جزءاً كبيراً من هويتي. تركت خلفي الأهل والأصدقاء والأماكن التي ارتبطت بها منذ الطفولة، وأنا أدرك أن المسافات لن تكون مجرد أرقام على الخريطة، بل اختباراً يومياً للحنين والصبر.
كانت كندا بالنسبة لي اسماً بعيداً على الخارطة، لكنها سرعان ما أصبحت واقعاً جديداً مليئاً بالتحديات. فالتأقلم مع مجتمع مختلف، ولغة جديدة، ونظام حياة مختلف، لم يكن أمراً سهلاً. في الأيام الأولى شعرت بالغربة في كل شيء؛ في الشوارع، وفي الطقس، وحتى في تفاصيل الحياة اليومية البسيطة.
لكن مع مرور الوقت بدأت أكتشف وجهاً آخر للهجرة. وجدت فرصاً للتعلم والتطور، والتقيت بأشخاص من ثقافات مختلفة، وتعلمت أن الإنسان قادر على التكيف أكثر مما يعتقد. أدركت أن قوة الإنسان لا تظهر في الظروف السهلة، بل في قدرته على النهوض من جديد عندما تبدأ حياته من الصفر.
ورغم كل ما قدمته الحياة الجديدة من فرص، يبقى الوطن حاضراً في القلب. فالوطن ليس مجرد مكان نعيش فيه، بل هو الذاكرة الأولى، واللهجة التي نتحدث بها، والوجوه التي نشتاق إليها كل يوم. لذلك يعيش الكثير من المهاجرين بين عالمين؛ عالم جديد يبنون فيه مستقبلهم، وعالم قديم يسكن وجدانهم مهما ابتعدوا عنه.
إن رحلة الانتقال من الوطن إلى كندا علمتني أن الغربة ليست مجرد بعد جغرافي، بل تجربة إنسانية عميقة تحمل الكثير من الألم والكثير من الأمل في الوقت نفسه. وبين الحنين للماضي والسعي نحو المستقبل، تستمر رحلة البحث عن حياة أكثر استقراراً، دون أن يغيب الوطن يوماً عن القلب والذاكرة.
فقد نغادر أوطاننا بأجسادنا، لكن أوطاننا لا تغادرنا أبداً.




