بقلم: حسام الشناوي
ماجستير الفلسفة الاسلامية
________________________________________________________________
عزيزي القارئ ..
دعني أسألُكَ بشكلٍ واضحٍ ومباشر ..
هل تظنُّ فعلاً أن تلكَ العينَ التي تفسِدُ عليكَ حياتَك قد تركتْ آلاف المستكبرين والطُّغاة والظلمة والفسدة ، ثم تسلطتْ عليك أنت؟!
هل تصدِّقُ حقاً أنّ العين قد تخلَّت عن أساطين المالِ والأعمالِ من الصهاينة الذين يتحكمون بأموالهم ولوبياتهم ووسائل إعلامهم في السياسيين وفي ملايين العوام .. لكنّها لم تقدر على أموالهم وقدرت على مالك أنت؟ وتركت أولادهم لتتمكن من أولادك أنت؟
لماذا لم نسمعْ أبداً أن عيناً أسقطت مبنىً سكنياً؟ أو أحرقت سيارةً فارهةً؟ أو دمَّرت قصراً مشيداً؟ أو أمرضت عالماً فاز بـ “نوبل”؟ أو ممثلاً حاز الـ “أوسكار”؟
لماذا لم نسمعْ في أيِّةِ لحظةٍ تاريخيةٍ عن قائِدٍ جلبَ إلى جوارِ أسلحتِه وجيوشِهِ بعضَ العائنين (من المعروفين بشرِّ وشررِ عيونِهِم) فوضَعَهُم في مُقدِّمَة صفوف المواجهة ليقضوا بعيونهم على أعدائه؟
قال المعارض: العينُ لاتؤثِّرُ في حالات مواجهة الجيوش ، كما لاتنفعُ مع الأعداء ، ولاتصيبُ الجمادات ، إذ يُشتَرَطُ فيها أن يكونَ المرادُ ذا روح! وجوابي عليه: كلُّ هذه مُمَاحَكَاتٌ هزلية وتحكُّماتٌ هذيانية ، ليس لك عليها دليلٌ واحدٌ من شَرْعٍ أو عقل!
قال بعضُهُم : لكنَّ الحسَّ يؤكِّدُ أنَّ لأعيُنِ البعضِ قُوّةً خانِقةً وقُدرَةً خَارِقَةً على إيقاعِ ضررٍ بالمُرَاد ؛ فهي تُطلِقُ إشعَاعَاتٍ غيرَ مرئيةٍ بحيث تتدفَّقُ في الهواء لتضربَ أخيراً كالسَّهمِ في كَبِد المحسود أو (المعيون) فتُردِيه!
قلت: قد استدلَّ أصحابُ هذا المسلكِ على مسلَكِهِم هذا بأدلَّةٍ من القرآنِ والسنةِ ، وليس لهم في شئٍ منها مستندٌ صريحٌ واحد يدلُّ على ماقالوه ، وسوف أناقِشُ في هذه الحلقة أدلتهم من القرآن العظيم ، وأرجئ مناقشة أدلتهم من السنة إلى الحلقة التالية حتى لايطول الكلام فيُنسِيِ بعضُه بعضاً
أولاً : سورة البقرة : الآية 109
(وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ) صدق الله العظيم
التعليق: قال القرطبي في تفسيره “أي: ودوا ذلك للحسد” انتهى ، فلو كان الحسدُ نفسُه يملكُ إلحاق هذا الضرر استقلالاً لكنَّا رأينا أثره في ردِّ المؤمنين عن دينهم بمجرِّد ذلك الحسد! ولما ذكر السياقُ تلك الإرادة (الود)!
ثانياً : سورة النساء : الآية 54
(أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۖ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا) صدق الله العظيم
التعليق: هاهم يحسدون النّاس بتمني زوال نعمتهم ، فماذا إذن؟ لم يضرهم ذلك الحسدُ في شئ ، بل آتى اللهُ تعالى آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتاهم ملكاً عظيماً
ثالثاً : سورة يوسف : الآية 67
(وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ ۖ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ) صدق الله العظيم
التعليق: لو كانَ الحسدُ يضرُّ استقلالاً لمَرِضَ يوسفُ من تلقاءِ نفسه أو لربُّما مات ، لكنَّ القرآن يخبرُنا بوقوع نقيض ذلك! فقد مكَّن اللهُ له في الأرضِ حتى وصلَ إلى ملك مصر ، ثم سجدَ بعضُ حُسَّادِه لهُ تكريماً وتوقيراً.
وأما كلامهم في أنَّ نُصحَ نبي الله يعقوب -عليه السلام- لأبنائه ألا يدخلوا من بابٍ واحد وإنما من أبوابٍ متفرقة كان خوفاً عليهم من أثر العين ، فهم يستنطقون النصّ بما لم يُصَرِّح به ، ولعلَّهُ خافَ عليهم فعلاً من أن يدخلوا مصر مجتمعين فيراهُمُ الناسُ على هيئتهم وكثرةِ عدَدِهِمْ فيتربَّصُون بهمُ الدوائرَ ، وهم في النهاية أغراب ، أما قولُهم إنَّ للعينِ هذا التأثير الخُرَافِيَّ الجُزَافِيّ الذي ظنوه ، فلاأثر له مطلقاً في الآيات الكريمة.
رابعاً : سورة الكهف : الآية 39
(وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) صدق الله العظيم
التعليق: الآيةُ فيها توجيهٌ قرآني يراد منه تطهير قلبِ المؤمن وتزكية نفسه ، فإذا رأى عند غيره أو حتى عند نفسِه شيئاً أعجبه فلايفرح بما عنده ، ولايفتتن بما عند غيره ، بل يدعو لنفسه ولغيره بالبركة ، وسياق الآيات الكريمة ليس فيه شئٌ مما ظنّوه أبداً ، وإن قالوا إنَّ ما أصاب صاحب الجنتين إنما كان بفعل حسدِ صاحبه المؤمن ، لكان ذلك القولُ من أعظم الافتئاتِ منهم على النصِّ القرآني ، بل على ذلك المَثَلِ الذي ضربَه لنا ربُّنا تباركَ وتعالى ، وهل يعقلُ أن يضرِبَ اللهُ لنا مثلاً فيه عبرةٌ وعظةٌ والمضروب به صاحبُ بضاعةٍ كاسدة ، ونفسٍ فاسدة ؛ تتمنى زوال النعمة عن الغير؟
خامساً: سورة القلم : الآية 51
(وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ) صدق الله العظيم
التعليق: لو كانت أعينُ المشركين تَمْلِكُ إلحاقَ الضَّرَرِ برسولِ الله لسمعنا بذلك أو لجاء ذكره في الآيات ، فلمّا ثبت لهم وللغير أنَّ شيئاً من الضررِ لم يلحقْ به صلوات ربي وسلامه عليه بل نَصَرَهُ الله عليهم وأعزَّ دينَه وأعلى كلمَتَه ، لم يعد لقولهم وجاهةٌ من أي جهة!
هذا والعبارةُ التي في الآية الكريمة محمولةٌ على المجاز لا الحقيقة ، قال الزجَّاج : (يعني من شدة عداوتهم يكادون بنظرهم نظر البغضاء أن يصرعوك . وهذا مستعمل في كلام العرب يقول القائل: نظر إليَّ نظراً يكادُ يصرَعُنِي ، ونظراً يَكَادُ يأكُلُنِي.)
سادساً : سورة الفلق : الآية 5
(وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ) صدق الله العظيم
التعليق: الآية الكريمة تشير لشر الحاسد! وليس لشر الحسد نفسه!
قال الإمام القرطبي: (قلت : قال العلماء : الحاسد لا يضر إلا إذا ظهر حسده بفعل أو قول ، وذلك بأن يحمله الحسد على إيقاع الشر بالمحسود ، فيتبع مساوئه ، ويطلب عثراته .




