الثلاثاء 21 يوليو 2026
وينيباغ 17°
facebook
كندا أون نيوز
رئيس مجلس الإدارة أسامة شمس رئيس التحرير عمرو عبدالوهاب
أقلام عربية بكندا

كندي بالصدفة !!

كندي بالصدفة !!

بقلم : محمد راشد

تتقدم إدارة هذا المقال بخالص الاعتذار إلى جميع قرائنا الكرام إذا تسبب النص في أي ابتسامة غير مخطط لها، أو أي ضحكة قد تؤدي إلى انسكاب القهوة على لوحة المفاتيح. كما نعتذر مسبقًا إلى الطقس الكندي إذا شعر بأننا بالغنا في وصفه، وإلى الثلوج إذا اعتبرت نفسها ضيفًا ثقيلًا، وإلى الشعب الكندي لأنه سيعتذر لنا على هذا الاعتذار بمجرد الانتهاء من قراءته.

والآن... بعد أن أوفينا بالواجب الوطني غير الرسمي، يمكننا الانتقال إلى المقال بثقة وضمير مرتاح.

كندا... جمهورية الاعتذار والثلج والضرائب

هناك دول اشتهرت بالنفط، وأخرى صنعت مجدها بالتاريخ، وثالثة فرضت حضورها بالقوة العسكرية أو الاقتصادية. أما كندا، فقد اختارت طريقًا مختلفًا نحو الشهرة العالمية، فبنت سمعتها على ثلاثة أعمدة راسخة: الاعتذار، والثلج، والضرائب.

في كندا، لا يُعد الاعتذار مجرد سلوك اجتماعي، بل يكاد يكون جزءًا من الهوية الوطنية. فإذا اصطدمت بك سيارة، فمن المرجح أن يترجل السائق ليقول لك: "آسف لأنني أفسدت يومك". أما إذا كنت أنت المخطئ، فقد تجد نفسك تعتذر له لأنك وضعته في موقف غير مريح. وعندما تصل الشرطة إلى موقع الحادث، قد يبدو المشهد وكأن الجميع يتبادلون الاعتذارات أكثر من تبادلهم المعلومات.

أما الطقس الكندي، فلا يمكن وصفه بظاهرة طبيعية عادية. إنه أشبه ببرنامج تدريبي طويل الأمد على الصبر والتأقلم. فقد تستقبل صباحك بأشعة شمس دافئة، ثم تفاجئك الأمطار بعد الظهيرة، قبل أن تنتهي يومك وسط تساقط الثلوج. وبين هذا وذاك، قد تحذرك النشرات الجوية من موجة حر استثنائية تصل فيها درجات الحرارة إلى خمس درجات مئوية.
وعندما يتعلق الأمر بالمسافات، فإن مفهوم "القرب" في كندا يختلف تمامًا عما هو عليه في بقية العالم. فإذا أخبرك أحدهم أن وجهتك "على بعد مسافة قصيرة"، فمن الحكمة أن تتأكد من امتلاء خزان الوقود، وأن تُعد قائمة موسيقية طويلة للرحلة. فثلاث ساعات من القيادة لا تُعد سفرًا، بل مجرد مشوار سريع لشراء الحليب.

ويُقال إن كندا بلد الفرص، وهذه المقولة ليست بعيدة عن الحقيقة. فهناك فرصة للعمل في وظيفتين أو أكثر لتغطية إيجار شقة متواضعة، وفرصة للانتظار أشهرًا للحصول على موعد طبي، وربما فرصة لدفع ضرائب تجعل المواطن يشعر أنه يساهم في تمويل نصف الكوكب، مع احتفاظه في الوقت نفسه بشعور الفخر لكونه يؤدي واجبه المدني.

أما الكنديون أنفسهم، فهم شعب يتمتع بقدر لافت من اللطف والتهذيب. يبتسم لك موظف الضرائب وهو يقتطع جزءًا معتبرًا من دخلك، ويخبرك موظف البنك، بابتسامة لا تقل اتساعًا، بأنه وافق على منحك قرضًا ستستمر في سداده لسنوات طويلة.
وفي حين تنشغل شعوب كثيرة بالنقاشات السياسية الحادة، يبدو أن الموضوع الأكثر حضورًا في كندا هو أسعار العقارات. فامتلاك منزل أصبح بالنسبة للكثيرين أشبه بمحاولة شراء القمر؛ الجميع يتحدث عنه، لكن القلة فقط تستطيع الوصول إليه.
ومع ذلك، ورغم كل ما يُقال ويُكتب، يصعب على المرء أن يحمل مشاعر سلبية تجاه هذا البلد. ففي اللحظة التي تفكر فيها بالرحيل، قد تجد نفسك أمام بحيرة تبدو وكأنها لوحة فنية، أو غابة تمتد بلا نهاية، أو شارع نظيف إلى درجة تشعرك بالحرج من إسقاط ورقة صغيرة على الرصيف. ثم يمر شخص غريب، يفتح لك الباب بابتسامة ويقول: "تفضل"، فتتراجع فجأة كل الشكاوى المتعلقة بالإيجارات والضرائب والثلوج المتأخرة، وتدرك أن للحياة هنا سحرًا خاصًا يصعب تجاهله.

باختصار، نجحت كندا في إقناع ملايين البشر بأن الصقيع أسلوب حياة، وأن الانتظار فضيلة، وأن الاعتذار لغة وطنية غير مكتوبة، وأن الضرائب جزء من الثقافة العامة. وربما لهذا السبب، وبرغم كل النكات والتعليقات الساخرة، لا يزال كثيرون مستعدين لتحمل شتاء طويل يمتد لأشهر، مقابل صيف قصير لا يكاد يتجاوز بضعة أسابيع، في واحدة من أكثر دول العالم هدوءًا وتنظيمًا وجودةً للحياة.

تنويه للقراء

هذا المقال ساخر، كُتب بروح الدعابة والمفارقة الأدبية، ولا يهدف إلى التقليل من كندا أو شعبها أو مؤسساتها. على العكس، فإن السخرية هنا تنطلق من ملامح يعرفها الكنديون أنفسهم ويتناولونها بالنكات والابتسامة، في محاولة لإلقاء الضوء على تفاصيل الحياة اليومية بأسلوب خفيف يجعلنا نضحك معًا، لا على أحد.

 

486 مشاهدة
مشاركة: