تدخل منطقة الشرق الأوسط مرحلة بالغة الحساسية، مع تصاعد مؤشرات التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وتزايد الحديث عن احتمالية انزلاق المنطقة إلى مواجهة عسكرية واسعة قد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من أطرافها المباشرين.
ويمكن وصف هذه المرحلة بأنها "مرحلة الحسم"، حيث تعود الملفات الساخنة إلى الواجهة، وتستعيد الجبهات المشتعلة زخمها بعد فترة من الهدوء النسبي.
نحن الآن أمام مفترق طرق إما التوجه نحو حرب شاملة يحترق الجميع بنيرانها أو اتفاق سلام تاريخي بين إيران وأمريكا تهدأ معه المنطقة ولو جزئيا.
المفارقة أن العرب، رغم أنهم ليسوا طرفًا مباشرًا في هذا الصراع، قد يكونون الأكثر تضررًا من تداعياته. فالحرب، إذا اندلعت، لن تقتصر آثارها على ساحات القتال، بل ستعيد رسم المشهد الاقتصادي والأمني في المنطقة بأسرها، وستفرض على الدول العربية أثمانًا باهظة، سواء كانت حليفة لواشنطن أو تحتفظ بعلاقات مع طهران أو حتى تنأى بنفسها عن الصراع.
ولعل أولى الفواتير ستكون اقتصادية بامتياز. فأي اضطراب في منطقة الخليج أو الملاحة بمضيق هرمز سيترك أثرًا مباشرًا على أسواق الطاقة العالمية، بما يقود إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز، ومن ثم زيادة تكاليف النقل والإنتاج والتصنيع، لتنتقل موجة التضخم سريعًا إلى أسعار الغذاء والسلع الأساسية والخدمات. وفي النهاية، سيكون المواطن العربي هو الحلقة الأضعف، يتحمل أعباء أزمة لم يكن طرفًا في صناعتها.
ولا تقف التداعيات عند الجانب الاقتصادي، فالحروب الكبرى غالبًا ما تفتح أبوابًا لأزمات أمنية وسياسية جديدة، بدءًا من موجات النزوح واللجوء، مرورًا باضطراب حركة التجارة والاستثمار، وصولًا إلى إعادة تشكيل موازين القوى والتحالفات الإقليمية، وهي جميعها ملفات ستنعكس بصورة أو بأخرى على الدول العربية.
المشهد الراهن يعكس حقيقة باتت واضحة في عالم شديد الترابط؛ إذ لم يعد الانخراط المباشر في الحروب شرطًا لتحمل نتائجها. فالدول قد تتجنب إرسال جنودها إلى ساحات القتال، لكنها لا تستطيع تجنب ارتدادات الصراع على اقتصاداتها واستقرارها الداخلي ومستوى معيشة شعوبها.
ولذلك، فإن أخطر ما في أي حرب شاملة ليس فقط حجم الدمار الذي تخلفه في ميادين القتال، بل أيضًا الفواتير التي تفرضها على دول وشعوب لم تطلق رصاصة واحدة. وفي حال اندلاع مواجهة واسعة بين الولايات المتحدة وإيران، فإن العالم العربي قد يجد نفسه مرة أخرى أمام معادلة مألوفة: ليس طرفًا في الحرب، لكنه مطالب بدفع جانب كبير من ثمنها.
وفي النهاية، يبقى الأمل أن تنتصر لغة السياسة على منطق السلاح، لأن تكلفة الحرب، مهما كانت نتائجها العسكرية، ستكون باهظة على الجميع، بينما سيكون المواطن العربي، كما جرت العادة في كثير من أزمات المنطقة، من بين أكثر من يدفع الثمن.




