بقلم: حكيم حسين الراعى
_________________________________
مضت ثمانية عشر عامًا منذ آخر انتخابات للمجالس الشعبية المحلية عام ٢٠٠٨، وخمسة عشر عامًا منذ حلها عقب ثورة ٢٥ يناير عام ٢٠١١، وما زال المواطن ينتظر عودة ممثليه المنتخبين في القرية والمدينة والحي والمحافظة. غياب طويل ترك فجوة في الرقابة الشعبية والمشاركة في إدارة شؤوننا اليومية.
وخلال هذه الفترة، شهدت مصر أربعة استحقاقات لانتخاب مجلس الشعب ثم مجلس النواب، بدأت في أعوام ٢٠١١ و٢٠١٥ و٢٠٢٠ و٢٠٢٥، بينما بقي الاستحقاق المحلي مؤجلًا. وهو ما يطرح سؤالًا مشروعًا: لماذا تستمر الحياة النيابية على المستوى الوطني، وتغيب على المستوى الأقرب إلى المواطن؟
المجالس المحلية هي مدرسة السياسة الشعبية. فيها يتعلم المواطن كيف يحوّل شكوى إلى مطلب عام، وكيف يناقش خطة تنمية، ويتابع موازنة، ويراقب مسؤولًا، ويوازن بين الاحتياجات والموارد. ومنها تستطيع الأحزاب تقديم كوادر تعرف مشكلات الناس بالممارسة اليومية، وتكتسب خبرة تؤهلها لتحمل مسؤوليات أكبر.
ودورها يتجاوز نقل الشكاوى؛ فالمادة ١٨٠ من الدستور تمنح المجالس المحلية اختصاص متابعة تنفيذ خطة التنمية والرقابة على الأجهزة التنفيذية، باستخدام أدوات تشمل الأسئلة وطلبات الإحاطة والاستجوابات، وصولًا إلى سحب الثقة من رؤساء الوحدات المحلية وفقًا للقانون.
هذه الرقابة تمس حياة المواطن مباشرة: نظافة الشوارع، والإنارة، والطرق، والصرف الصحي، والإشغالات، وحماية الأشجار والمساحات الخضراء. تتولى الأجهزة التنفيذية تقديم الخدمات، ويتولى المجلس المنتخب متابعة أدائها ومساءلتها، حتى تصبح الخدمة حقًا يمكن المطالبة به ومراقبة جودته.
وفي غياب هذه المجالس، تتجه مطالب محلية كثيرة إلى أعضاء البرلمان؛ فينشغل النائب بمتابعة رصف شارع، أو إصلاح إنارة، أو رفع مخلفات، ويستهلك ذلك وقتًا وجهدًا يحتاجهما للتشريع والرقابة على الحكومة ومناقشة السياسات العامة. وقد عبّر نواب عن هذا الخلل في توزيع الأعباء بين العمل البرلماني والعمل المحلي.
خدمة الناس واجب، لكن حسن توزيع المسؤوليات يجعلها أكثر كفاءة. فوجود مجلس محلي منتخب وفاعل يمنح المواطن جهة قريبة تتابع مطالبه، ويساعد نائب البرلمان على أداء مسؤولياته الوطنية بصورة أفضل.
وعودة المحليات يجب أن تصاحبها خطوات جادة نحو اللامركزية. فالمادة ١٧٦ من الدستور تقرر دعم اللامركزية الإدارية والمالية والاقتصادية، وتربط ذلك ببرنامج زمني لنقل السلطات والموازنات إلى وحدات الإدارة المحلية.
ويمكن البدء تدريجيًا بنقل صلاحيات وموارد محددة، والتوسع جغرافيًا وفق معايير معلنة تراعي جاهزية الوحدات المحلية، مع التدريب والشفافية والرقابة. هذا التدرج يحتاج إلى جدول زمني واضح يضمن اكتماله، ويمنع تحوله إلى تأجيل جديد. فالمسؤولية المحلية تحتاج صلاحيات حقيقية وموارد تتيح ممارستها.
وأرى أن أخطر آثار هذا الغياب هو حرمان قطاع واسع من الشباب من فرصة التعلم السياسي العملي. فمن كان عمره عشر سنوات عند حل المجالس عام ٢٠١١، أصبح اليوم في الخامسة والعشرين، دون أن يعاصر تجربة مجلس محلي منتخب في مجتمعه.
هذا لا يعني أن جيلًا كاملًا بلا خبرة، لكنه يعني أن إحدى أهم قنوات اكتساب الخبرة قد أُغلقت أمامه. ومن الطبيعي أن يؤثر ضيق هذه القنوات في إعداد القيادات، وفي فرص وصول كوادر إلى البرلمان سبق لها ممارسة الرقابة ومناقشة الموازنات والتعامل مع مشكلات الناس.
لذلك، فإن إجراء انتخابات المحليات ضرورة لاستكمال البناء الديمقراطي، وتحسين الخدمات، وتجديد الحياة الحزبية، وإعداد أجيال قادرة على إدارة الشأن العام.
نحتاج قانونًا يفعّل الضمانات الدستورية، وموعدًا واضحًا للانتخابات، ومجالس تمتلك أدوات الرقابة، وخطة معلنة لتطبيق اللامركزية.
فكل عام إضافي من التأجيل، هو عام يفقد فيه المواطن فرصة المشاركة والمساءلة، ويفقد فيه الشباب مساحة للتعلم وتحمل المسؤولية.




