الأربعاء 22 يوليو 2026
وينيباغ 17°
facebook
كندا أون نيوز
رئيس مجلس الإدارة أسامة شمس رئيس التحرير عمرو عبدالوهاب
أقلام عربية بكندا

أسامة شمس يكتب: كوكب كندا (2) .. حين يصبح المهاجر إنسانًا لا رقمًا في ملف

أسامة شمس يكتب: كوكب كندا (2) ..  حين يصبح المهاجر إنسانًا لا رقمًا في ملف

 

تطرقنا في المقال السابق إلى الفوارق الجوهرية في مستوى الحقوق والحريات التي يتمتع بها اللاجئون والمهاجرون وعموم المواطنين في كندا، مقارنة بما تعيشه شعوب الشرق الأوسط والدول العربية على وجه الخصوص.

 

وفي هذا الجزء، نسلط الضوء على جانب آخر من جوانب التجربة الكندية؛ مميزات قد تبدو استثنائية إلى حد يجعل البعض يصفها بـ"كوكب كندا"، ليس فقط مقارنة بدول المنطقة، بل حتى عند مقارنتها ببعض دول الغرب، وفي مقدمتها الولايات المتحدة.

 

فحين يصل مهاجر أو طالب لجوء إلى كثير من الدول، يبدأ فصل طويل من القلق وعدم اليقين. أوراق قانونية معقدة، ومواعيد قد تمتد لأشهر أو سنوات، وشعور دائم بأن الإقامة قد تكون مؤقتة مهما طال الزمن.

 في بعض الدول، يتحول المهاجر إلى شخص يعيش بين احتمالين؛ القبول أو الترحيل، وبين خوفين؛ فقدان الاستقرار أو الوقوع في خطأ إداري قد ينسف كل ما بناه خلال سنوات.

 

أما في كندا، فالمشهد يبدو مختلفًا إلى حد كبير. لا يعني ذلك أن الطريق مفروش بالورود أو أن النظام خالٍ من التعقيدات، لكنه يقوم على فلسفة مختلفة؛ فلسفة ترى في القادم الجديد مشروع مواطن، لا مجرد رقم في سجل الهجرة.

 

منذ اللحظة الأولى، يجد كثير من المهاجرين أنفسهم أمام منظومة تحاول – بقدر الإمكان – مساعدتهم على الوقوف مجددًا. دورات مجانية لتعلم اللغة، برامج للتأهيل المهني، دعم للبحث عن العمل، وخدمات مجتمعية تساعد الأسر الجديدة على فهم تفاصيل الحياة اليومية، من المدارس والرعاية الصحية وحتى الحقوق القانونية الأساسية.

 

قد تبدو هذه التفاصيل عادية لمن وُلد داخل دولة مستقرة، لكنها بالنسبة لشخص خرج من حرب أو ملاحقة أمنية أو انهيار اقتصادي، ليست مجرد خدمات، بل بداية جديدة بالكامل.

 

ولعل المقارنة الأكثر وضوحًا تبقى مع الولايات المتحدة، الجارة الكبرى التي لطالما ارتبط اسمها بفكرة "الحلم الأمريكي". غير أن السنوات الأخيرة حملت مشاهد مختلفة تمامًا بالنسبة لكثير من المهاجرين وطالبي اللجوء. فقد تصاعد الجدل السياسي حول الهجرة بصورة غير مسبوقة، وأصبحت الحدود الجنوبية عنوانًا دائمًا للأزمات والانقسامات السياسية.

 

هناك، يجد آلاف المهاجرين أنفسهم في دوامة طويلة من الاحتجاز أو الانتظار أو الملاحقات المرتبطة بوضع الإقامة. وتحولت قصص العائلات التي عاشت سنوات من القلق خوفًا من الترحيل إلى جزء مألوف من الواقع اليومي. حتى من يمتلكون إقامة مؤقتة أو تصاريح قانونية، يعيش بعضهم هاجس التغييرات السياسية التي قد تقلب مصيرهم بين ليلة وضحاها.

 

أما في كندا، فرغم وجود قوانين صارمة تنظم ملف الهجرة واللجوء، فإن الخطاب العام يبدو أقل عدائية، كما أن الإجراءات غالبًا ما تمر عبر قنوات قانونية واضحة تمنح الأفراد فرصًا للاستئناف والمراجعة، بعيدًا عن أجواء التخويف السياسي أو الخطابات التي تصور المهاجر باعتباره تهديدًا دائمًا.

 

الأمر لا يقتصر على الولايات المتحدة وحدها. ففي أجزاء مختلفة من أوروبا الغربية، تصاعدت خلال السنوات الماضية موجات سياسية تنظر إلى الهجرة باعتبارها أزمة أكثر منها فرصة. ومع صعود أحزاب اليمين المتشدد في أكثر من دولة، وجد كثير من المهاجرين أنفسهم في قلب نقاشات سياسية حادة، تتراوح بين الدعوات إلى تشديد القوانين، وتقليص برامج الاستقبال، وربط مشكلات البطالة أو الجريمة بالوافدين الجدد.

 

في بعض المدن الأوروبية، لا يزال كثير من المهاجرين يواجهون تحديات تتعلق بالحصول على فرص عمل متكافئة، أو استئجار مساكن، أو تجاوز الصور النمطية المرتبطة بالأصل أو الدين أو اللغة. ويكفي أحيانًا الاسم أو اللهجة أو لون البشرة ليشعر الإنسان بأنه مطالب بإثبات أحقيته في الانتماء.

 

أما في كندا، فإن فكرة التعددية الثقافية ليست مجرد شعار سياسي يُرفع في المناسبات، بل جزء من الهوية الوطنية نفسها. في مدن مثل تورونتو أو فانكوفر أو مونتريال، تبدو الجنسيات المختلفة وكأنها نسيج يومي للحياة العامة. لا أحد يندهش من اختلاف اللغة أو الملامح أو الخلفية الثقافية، لأن المجتمع نفسه بُني على فكرة التنوع.

 

وهذا لا يعني غياب المشكلات. فالمهاجرون في كندا يواجهون بدورهم تحديات حقيقية، أبرزها أزمة السكن وارتفاع تكاليف المعيشة، فضلًا عن طول بعض الإجراءات الإدارية وصعوبة معادلة الشهادات في بعض المهن. لكن الفارق الأساسي يبقى في الشعور العام بالأمان القانوني والاجتماعي؛ شعور بأن الإنسان يستطيع أن يبدأ من جديد دون أن يبقى أسيرًا للخوف.

 

وربما لهذا السبب، يصف كثيرون كندا بأنها "كوكب آخر". ليس لأن الحياة فيها مثالية أو خالية من التعقيدات، بل لأن القادم إليها يشعر – للمرة الأولى ربما – بأنه يُعامل بوصفه إنسانًا كامل الحقوق، لا عبئًا مؤقتًا أو ملفًا قابلًا للإغلاق.

 

إنها ليست جنة على الأرض كما يبالغ البعض أحيانًا، لكنها بالنسبة لمن عبروا الحروب أو القمع أو النزوح القسري، تبدو مساحة نادرة لاستعادة الإحساس بالحياة الطبيعية. مكان يمنح الإنسان فرصة ثانية، لا ليهرب من الماضي فقط، بل ليبني مستقبلًا أكثر استقرارًا وكرامة.

 

لهذا، لا يبدو وصف "كوكب كندا" مجرد مبالغة لغوية أو تعبير عاطفي عابر، بل انعكاسًا لتجربة يعيشها كثير من المهاجرين واللاجئين الذين وجدوا في هذا البلد ما فقدوه طويلًا الإحساس بالأمان، والقدرة على الحلم من جديد.

53 مشاهدة
مشاركة: