بدأت أزمة أخرى في أحد أهم الممرات المائية ما بين الولايات المتحدة الأميركية وكندا، وهي البحيرات الخمس العظمى، في وقت يتشارك البلدان السيادة على أربع بحيرات، وتبقى واحدة داخل الحدود البحرية الأميركية بالكامل. ومع بدء الأزمة السياسية بين البلدين، وإعلان دونالد ترامب حرباً تجارية وفرضه تعرفات جمركية على كندا، ورد الأخيرة بالمثل، تأزّمت حركة التجارة في هذا الممر المائي، وسط توقعات بالمزيد من الاختناقات.
وتقع أربع بحيرات على الحدود الدولية بين كندا والولايات المتحدة، وهي بحيرة سوبيريور، هورون، إري، أونتاريو، فيما توجد بحيرة واحدة أميركية بالكامل وهي بحيرة ميشيغان. وتعتبر البحيرات العظمى وممر سانت لورانس المائي شرياناً تجارياً ولوجستياً أساسياً يربط اقتصاد أميركا الشمالية الصناعي والزراعي بالمحيط الأطلسي.
وتعتمد مصانع الصلب والسيارات والزراعة على جانبي الحدود على نقل المواد الخام (مثل الحديد، الفحم، الحبوب، والملح) عبر سفن الشحن بين الموانئ الكندية والأميركية. ومع فرض رسوم جمركية على السلع الكندية والأميركية، تراجعت حركة نقل هذه الخامات عبر الموانئ المشتركة (مثل ميناء دولوث-سوبيريور وموانئ أونتاريو)، مما رفع تكاليف الشحن وبدأ يهدد الاتفاقيات الملاحية المشتركة.
تعتمد مصانع الصلب والسيارات والزراعة على جانبي الحدود على نقل المواد الخام (مثل الحديد، الفحم، الحبوب، والملح) عبر سفن الشحن بين الموانئ الكندية والأميركية
وتسيطر كندا على 13 قفلاً مائياً في الممر، بينما تشرف الولايات المتحدة على قفلين، ما يمنح كندا اليد العليا عملياً في التحكم بحركة الملاحة الداخلة والخارجة من المحيط الأطلسي إلى الولايات المتحدة.
وتأزمت المفاوضات التجارية الأميركية الكندية إلى حدودها القصوى، حيث بدأت حرب تجارية قاسية بين البلدين رسمياً بعد منتصف ليل الثامن من سبتمبر، مع دخول الرسوم الجمركية الانتقامية الكندية على البضائع الأميركية حيز التنفيذ، لتغطي الرسوم الجمركية المضادة سلعاً أميركية بقيمة 20 مليار دولار، وتتراوح الرسوم من 15% إلى 50% على المنتجات من الصلب والأثاث إلى الملابس والإلكترونيات.
وجاء ذلك رداً على فرض إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب رسوماً جمركية على النبيذ والأثاث ومنتجات الألبان الكندية، لتغطي صادرات كندية بقيمة 20 مليار دولار، أو 5%، من الصادرات الكندية إلى الولايات المتحدة.
وفي أواخر أغسطس/ آب 2026، وضمن تصعيد النزاع التجاري وفرض الرسوم الجمركية، وقع دونالد ترامب أمراً تنفيذياً يقضي بإعادة تسمية بحيرة أونتاريو إلى "بحيرة أميركا" على الخرائط والوثائق الرسمية التابعة للحكومة الفيدرالية، ما أثار غضب الكنديين.
أصدر الرئيس دونالد ترامب تصريحات متضاربة أخيراً، إذ قال في أيرلندا نهاية الأسبوع الماضي إنه قد يتم التوصل إلى اتفاق مع كندا "قريباً"، لكنه أطلق تهديدات جديدة عندما سُئل هذا الأسبوع عن مبادرات أوتاوا تجاه الاتحاد الأوروبي. وصرح رئيس الوزراء مارك كارني لوكالة بلومبيرغ نيوز يوم الاثنين بأن كندا "مستعدة للجلوس" لإجراء محادثات.
وحتى نهاية شهر أغسطس، انخفضت حركة السفن في ميناء دولوث-سوبيريور بنسبة 23% مقارنةً بالعام الماضي، وفقًا لبيانات الميناء. وتراجعت زيارات السفن التي ترفع العلم الأميركي بنحو 19%، بينما انخفضت زيارات شركات الشحن الكندية بنسبة 37%. وبلغ إجمالي كميات الفحم 4.7 ملايين طن في عام 2025، ومن المتوقع أن تصل إلى 500 ألف طن فقط هذا العام، وهو أدنى مستوى لها منذ عام 1973.
بينما يُعزى الانخفاض الإجمالي في الغالب إلى إغلاق محطة فحم، إلا أن هناك أيضًا انخفاضًا في كمية خام الحديد المتجهة شمالًا، وهو المادة الخام لصناعة الصلب التي تُستخرج بالقرب من دولوث في أغنى مناجم الحديد في الولايات المتحدة، وتُنقل عبر البحيرات وتُسلم هذه الأيام في الغالب إلى مصانع الصلب في أوهايو أو إنديانا. وقد ألحقت تعرفات ترامب على المعدن ضررًا كبيرًا بقطاع الصلب الكندي، بحسب تقرير "بولومبيرغ".
يُعد ميناء دولوث-سوبيريور أكبر موانئ البحيرات العظمى من حيث الحمولة، ويقع على الحافة الغربية لطريق تجاري يمتد لمسافة 3700 كيلومتر (2300 ميل) ويشمل ممر سانت لورانس المائي، وكلها متصلة عبر الأقفال المائية. تمتد الحدود البحرية بين البلدين عبر بحيرة سوبيريور، وبحيرات هورون وإيري وأونتاريو، وجزء من نهر سانت لورانس الذي يصب في خليج بالقرب من المحيط الأطلسي شمال نوفا سكوتيا.
ومع عبور نحو خُمسَي الحدود الأميركية الكندية للمياه، تُنقل سنوياً 200 مليون طن من البضائع عبر البحيرات العظمى ونهر سانت لورانس. وبالمقارنة، تنقل خطوط السكك الحديدية الأميركية نحو 1.5 مليار طن من المواد الخام والمنتجات المصنعة سنوياً.
"على مدى عقود من الزمن، أصبحت البحيرات العظمى والولايات والمقاطعات متكاملة بشكل كبير، إلى حد أنها تشكل ثالث أكبر اقتصاد في العالم إذا كانت دولة واحدة"، مع نشاط اقتصادي بقيمة 6 تريليونات دولار في جميع أنحاء المنطقة، كما قال إيان هاميلتون، الرئيس والمدير التنفيذي لهيئة ميناء هاميلتون-أوشاوا، وهي شبكة موانئ بحرية على بحيرة أونتاريو بالقرب من تورنتو لوكالة "بلومبيرغ".
ربما يستطيع الاقتصاد الأميركي الاستغناء عن الواردات الكندية، لكن مثل هذه الاضطرابات قد تكون مكلفة. وقال هاميلتون: "أُدرك تمامًا أن الولايات المتحدة قد تتمكن من الاستمرار بانخفاض حجم تجارتها مع كندا، لكنني أعتقد أيضًا أن ذلك سيرفع التكاليف على الجميع في نهاية المطاف".
المصدر: العربي الجديد




