الاثنين 19 أكتوبر 2026
وينيباغ 17°
facebook
كندا أون نيوز
رئيس مجلس الإدارة أسامة شمس رئيس التحرير عمرو عبدالوهاب
أقلام عربية بكندا

هيمنة النقل على العقل

هيمنة النقل على العقل

د/ محمد إمام

كاتب وباحث

____________________________

تسعى هذه الدراسة إلى فحص ومناقشة إشكالية تغليب النقل على العقل، واستكشاف الأبعاد البنيوية والوظيفية لمركزية الماضي في تشكيل الخطاب المعاصر. تتناول الورقة بالتحليل النظمي الخطاباتِ الدينية، والثقافية، والسياسية، والإعلامية، متقصيةً الآليات المعرفية والأيديولوجية التي يُختزل بها العقل النقدي لصالح استدعاء المنقول والتسليم بسلطته. وتستند الدراسة إلى المقولات الأبستمولوجية للنقد العربي المعاصر (محمد عابد الجابري، محمد أركون، طه عبد الرحمن، ونصر حامد أبو زيد). وتَخلُص الدراسة إلى أن إضفاء التفوق المعرفي والشرعية المطلقة على المأثور التاريخي يشكل كوابح منهجية تُعطل قدرة الفكر الجمعي على استيعاب مكتسبات الحداثة والتعاطي الفعال مع متغيرات الراهن.

​1. المقدمة والإطار المنهجي

​تمثل العلاقة المفهومية بين "النقل" و"العقل" أحد أبرز المحاور الأبستمولوجية [1] التي شغلت الفكر الإنساني عبر تاريخه. غير أن هذه العلاقة تكتسب في العصر الراهن أبعاداً وظيفية معقدة؛ إذ يتجاوز المنقول بصفته إرثاً تاريخياً حدوده التوثيقية ليمارس سلطة مرجعية مُهيمنة تُنحّي أدوات التحليل النقدي والمنهج العلمي.

​تنبع أهمية هذه الدراسة من الحاجة إلى تشخيص الآليات التي يتم من خلالها نكس الوعي وتثبيط الفكر الفاعل عبر إعطاء الأسبقية المطلقة للنصوص الشارحة والتمثلات التاريخية القديمة على حساب المنجز المعرفي والتطبيقي للحاضر. تعتمد الدراسة المنهج التحليلي النقدي تفكيكاً للبنى الخطابية للتعرف على الموجهات الضمنية والصريحة التي تُكرس الاتباعية وتُقلل من فاعلية التفكير المستقل.

​2. الخطاب الديني: الخلط الأبستمولوجي بين المقدس والبشري

​يتجلى التأسيس الأولي لظاهرة تغليب النقل في الخطاب الديني من خلال أزمة أبستمولوجية حادة تتمثل في إلغاء المسافة المفهومية بين "المقدس" في أصله المطلق و"الاجتهاد البشري" في ظهوره التاريخي.

​تستند هذه الآلية إلى ترفيع القراءات التأويلية والتفسيرات الفقهية النشأة في أزمنة سابقة إلى مرتبة النص الأصلي نفسه، مما يضفي عليها صفة الإطلاق والإلزام المعرفي. وفي هذا السياق، يرى محمد عابد الجابري أن بنية "العقل البياني" [2] العربي قامت تاريخياً على التداخل والخلط بين النص وفهمه، مما كرّس سيادة "آلية القياس على غائب تراثي" وألغى فاعلية العقل الاستدلالي والنقدي أمام سلطة اللفظ الموروث (الجابري، 1991).

​كما يؤكد نصر حامد أبو زيد أن خطورة هذا الخطاب تكمن في تحويل الفكر الديني من نشاط بشري خاضع للسياق والزمن إلى "حاكمية معرفية" تتماهى مع النص الديني ذاته، مما ينتج حالة من التجهيل والتأطير القسري للوعي الجمعي (أبو زيد، 1992). ويؤدي هذا المنحى الاتباعي إلى تقزيم الاجتهاد المعاصر وتجريد العقل من صلاحياته الوظيفية في التفكير والتأويل.

​3. الخطاب الثقافي والفكري: أسطرة الماضي وتزهيد الراهن

​في الحقل الثقافي والفكري، تتبدى السلفية المعرفية عبر تهميش أدوات المناهج النقدية والعلوم الإنسانية الحديثة لصالح تقديس النتاجات الأدبية والفلسفية القديمة، واعتبارها الذروة التأسيسية التي لا يمكن تجاوزها.

​تعتمد هذه البنية على إشاعة نموذج تفاضلي يُصور العصر الذهبي للماضي كمصدر حصري للحقيقة والحكمة، مترافقاً مع نقد إحباطي يقلل من قيمة المنجز المعرفي للحاضر. وقد شخّص محمد أركون هذه الظاهرة بمفهوم "اللامفكر فيه" [3] و"المستحيل التفكير فيه"، محذراً من تحول التراث الثقافي والديني إلى "سيجاح معرفي" [4] (Clôture dogmatique) يُصادر أي محاولة لنقد العقلية التكرارية ويُغلق الباب أمام أركيولوجيا المعرفة الحديثة (أركون، 1996).

​من جانب آخر، يُقدم طه عبد الرحمن أطروحة نقدية هامة تتصل بـ "الانفصال عن روح الحداثة"، مبيناً أن التقليد المباشر للماضي أو النقل الآلي للمفاهيم دون إعمال "المبدأ الإبداعي والائتماني" [5] للعقل يؤدي إلى قصر التفكير على الاجترار، مما يفقد الأمة قدرتها على تأسيس "حداثة ذاتية" تقوم على فاعلية الفكر الحاضر لا الاتباع الميت (عبد الرحمن، 2006).

​4. الخطاب السياسي: توظيف التراث لشرعنة السلطة ورفض التغيير

​يمتد توظيف المنقول إلى الممارسة السياسية؛ حيث تُستغل الرمزية التراثية والماضوية لبناء مشروعية سياسية تتجاوز معايير الكفاءة والمواطنة الحديثة.

​يُمارَس تثبيط العقل في هذا السياق عبر الاحتكام إلى مفاهيم الخصوصية التاريخية والتقاليد الموروثة كمسوغات مبدئية لرفض أطر الحوكمة الحديثة، كالمساءلة، والشفافية، وحرية الاختيار. يوضح الجابري في تحليله لـ "العقل السياسي العربي" كيف وظفت الممارسات السلطوية التراث العقدي والروابط القبلية والإيديولوجية التراثية لتغييب العقل المصلحي النقدي، وتحويل الإمامة أو الحكم من مسألة مدنية عقلانية خاضعة للمصلحة والتعاقد إلى مقولة عقائدية نقلية يمتنع الجدال فيها (الجابري، 1990).

​5. الخطاب الإعلامي: الهندسة المعرفية لتسطيح الوعي الجمعي

​تضطلع المؤسسات الإعلامية في العصر الرقمي بدور التسريع والمأسسة لثقافة النقل؛ نظرًا لاعتمادها المقومات العاطفية والإثارة السجالية كأدوات للتأثير والتوجيه.

​تتضح الآلية الإعلامية في تغذيتها للأنماط المعرفية السطحية عبر تقديم إجابات علبيّة جاهزة مستمدة من السائد والمأثور، والامتناع المنهجي عن طرح الأسئلة التفكيكية التي تفحص أصول الأفكار وتختبر صلاحيتها. يؤدي ذلك إلى صياغة وعي جمعي هش، يتسم بالترديد التلقيني وضعف القدرة على التمييز بين الحقائق المثبتة بالبرهان وبين الإنشاءات التراثية، وهو ما يُعرف في الأدبيات النقدية بـ "الأرثوذكسية التلخيصية التي تحرم الجمهور من ممارسة مهارات التفكير العليا.

​6. الخاتمة والاستنتاجات

​تخلص الدراسة إلى أن ظاهرة تمييز المنقول وتغليبه على مكتسبات الحاضر تمثل منظومة متكاملة من الآليات الفكرية والأيديولوجية التي تسعى للحفاظ على البنى التقليدية ووقايتها من مبادئ التفكيك والنقد. إن تقزيم العقل النقدي لصالح الماضوية ليس استجابة عفوية للموروث، بل هو ممارسة وظيفية تؤدي إلى تحييد الوعي ومنع التحول نحو إنتاج معرفي مستمر. وتؤكد الدراسة على ضرورة قراءة الموروث بوصفه نتاجاً تاريخياً وثقافياً يرتبط بسياقه الزمني، مع اعتماد المعايير المنهجية والعلوم الحديثة كمسطرة مرجعية لإدارة الحاضر وبناء المستقبل.

 

287 مشاهدة
مشاركة: