تُعرف التنمية المستدامة انها استغلال الموارد بما يلبي احتياجات الحاضر، مع الحفاظ على قدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها.
فقد مارست سيدات فلسطين اقتصادًا فطريًا رشيدًا، حوّل وفرة المواسم إلى أمانٍ غذائي، وجعل من خيرات الأرض زادًا ممتدًا عبر الفصول وبكفاءة اقتصادية تدرس، بما يعرف حاليا بالاقتصاد المنزلي المستدام
في فلسطين، لم تكن مؤونة الشتاء مجرّد أطعمة تُحضَّر لأيام البرد، لم تكن مجرد طقسًا من طقوس الحياة، بل مبادئ اقتصادية في تنمية الموارد الطبيعية لتكون وصيةً تتوارثها الأجيال، وحكاية عن علاقة الإنسان بأرضه، ووفاءه لمواسمها، إلى ذاكرة لا تشيخ.
الحكاية تبدأ مع أولى بشائر الخريف؛ يجفّفن ثمار الأرض تحت الشمس، ويملأن الجرار بما جادت به المواسم، ويُعِدْنَ من الزيتون والزيت والقمح والعدس والقمح المجروش، ومن المقدوس والمخللات والمربّيات والزعتر المجفف، والبامية والملوخية الناشفة زادًا يرافق العائلة في ليالي الشتاء الطويلة.
بعض الأطعمة تفقد طعمها نتيجة التجفيف. لذا يضاف إليها منتج اخر مجفف لتصبح أكثر قبولا وفائدة #كطبق_البصارة التي تتكون من الملوخية الناشفة مع الفول المجروش وهذا ما يسمى "بالاقتصاد الدائري"‼️
"التنوع بالإنتاج" كان حاضرا المفتول، والمجدّرة، والقدرة، والمسخّن، والخبز الطابوني أكثر من أطباقٍ على المائدة؛ كانت وجوهًا من الهوية الفلسطينية، تحمل رائحة الحطب، ودفء التنور، وبركة الحقول، ولمّة الأهل حول صحنٍ واحد.
كانت المؤونة اقتصادًا في زمن القِلّة، وحكمةً في تدبير الحياة، ودرسًا في الصبر والاكتفاء. لم يكن شيء يُهدر، ولم تكن خيرات الأرض تُنسى؛ فلكل ثمرة موسمها، ولكل موسم طريقته في البقاء. انها نظرية " الاقتصاد الفطري في إدارة المواد "
واليوم، حين نستعيد هذه الأطعمة التراثية ونحن في عصر التكنلوجيا والاقتصاد الرقمي، فإننا لا نستعيد وصفاتٍ قديمة فحسب، ودروس في الاقتصاد، بل نستحضر عالمًا من القيم والعادات وذاكرة البيوت الفلسطينية، ودفءَ العائلة الذي كان يجعل أبسط الأطعمة وليمةً من المحبة والانتماء، لا تعرفها بيوت الموبايلات حاليا .
في فلسطين، ستبقى مؤونة الشتاء أكثر من زادٍ لموسم البرد؛ ستبقى حكاية أرضٍ تُطعِم أبناءها، وشعبٍ يحفظ تراثه، وذاكرةٍ تقاوم النسيان، مهما طال الغياب وتبدّلت الفصول.




